إسرائيل استهدفت طواقم الإسعاف والصحافيين خلال مجزرة جنين

رام الله- “لا شيء يشبه ما جرى اليوم من استهداف طواقم الإسعاف في جنين غير ما كان خلال اجتياح المخيم عام 2002، فكل من كان يتحرك يتم إطلاق الرصاص باتجاهه أو عرقلة عمله” بهذه الكلمات وصف المسعف خالد الأحمد (46 عاما) استهداف قوات الاحتلال لطواقم الإسعاف خلال اجتياح مدينة ومخيم جنين شمال الضفة الغربية صباح اليوم الخميس.

الأحمد -الذي كان في بداية عمله متطوعا وقت اجتياح المخيم قبل 21 عاما، وشارك وقتها في إجلاء شهداء ومصابي الاجتياح- هرع بعد اجتياح اليوم ومنذ الإبلاغ عن أول إصابة بالمخيم ومعه باقي طواقم الإسعاف إلى أماكن المصابين لإجلائهم بالرغم من إبلاغهم مسبقا من خلال الصليب الأحمر بضرورة التنسيق مع الاحتلال قبل دخول المناطق التي تدور فيها عملية الاقتحام انحيازا منهم لإنسانية المهنة وواجبها.

إنسانية مهنة المسعف لم تؤخذ بعين الاعتبار من قبل قوات الاحتلال الذين أطلقوا الرصاص الحي باتجاه طاقم المسعفين وعرقلوا عملهم، بما يخالف الاتفاقيات الدولية التي تضمن لهم حرية الحركة في هذه الأوضاع.



الأحمد وطاقمه حاولوا على مدار الفترة التي استمر فيها الاجتياح إجلاء عائلة في منطقة الحواشين في قلب المخيم وجميعهم من الأطفال والنساء، ورغم وجود مصابين أوضاعهم حرجة لم يستطيعوا الوصول إليهم إلا بعد الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال من المخيم. ويزيد منع الطواقم الطبية من الوصول إلى المصابين من صعوبة الإصابات -بحسبه- ويرفع عدد الشهداء، فكل ثانية تفرق في حالة الإصابة بالرصاص.

ويقول”نحن نخرج إلى الميدان ملتزمين بجميع قواعد الأمان والسلامة، ومركبة الإسعاف مجهزة ولا يوجد أي احتمالية للخطأ بتحديد هويتنا كمسعفين”.

المرة الثالثة لكنها الأصعب

وليست هذه المرة الأولى التي يعرقل عمل طواقم الإسعاف خلال اقتحام مدينة جنين، وخلال الاقتحامات الثلاثة الأخيرة بدأ الاحتلال بالطلب من طواقم الإسعاف التنسيق المسبق قبل الدخول إلى منطقة الاقتحام.

وقالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني -في بيان لها وصل نسخة عنه- إن قوات الاحتلال طلبت من اللجنة الدولية للصليب الأحمر إبلاغ الجمعية بضرورة عدم تحريك طواقم الإسعاف إلا بتنسيق مسبق.

ورغم التنسيق المسبق، كما جاء في البيان، إلا أن الاحتلال استهدف المركبات التابعة للجمعية بإطلاق النار التحذيري وعرقل وصولهم للإصابات.

من جهتها قالت وزيرة الصحة الفلسطينية مي كيلة -خلال مؤتمر صحفي بمجمع فلسطين الطبي في رام الله (وسط الضفة) إن الاعتداء على الطواقم الطبية والإسعاف يخالف كافة الشرائع والأنظمة والقوانين الإنسانية والدولية واتفاقيات جنيف ومعاهداتها بخصوص الجرحى والطواقم الطبية والتي تكفل لهم حرية الحركة وتقديم الرعاية الصحية والطبية للجرحى، مشيرة إلى أنها اعتداءات ترتقي لجرائم حرب.

الاستهداف لم يكن لطواقم الإسعاف التابعة للهلال الأحمر فقط، بل الإسعاف الخاص الذي عمل في منطقة الاجتياح، كما حدث مع سائق مركبة الإسعاف فادي جرار وطاقمه من “إسعاف الحياة”.

يقول جرار “كنا بالقرب من حارة الحواشين، فأصيب أحد الشبان أمامنا، وفور تحركنا بمركبة الإسعاف قام أحد القناصة باستهدافنا برصاصتين أصابتا الزجاج الأمامي مما عرقل وصولنا للمصاب”.



ليس هذا فحسب، فخلال 3 ساعات (مدة اقتحام قوات الاحتلال للمخيم) منع جرار من الوصول إلى الإصابات إلا من خلال طرق بديلة مما أخر وصولهم للحالات. ورغم ذلك استطاع إجلاء أحد الشهداء و5 مصابين أحدهم حالته بخطيرة.

ويوافق جرار (51 عاما) الأحمد بأن المشهد اليوم بالمخيم لم يختلف عما كان فترة الاجتياح “الكبير عام 2002” فكل من كان يتحرك في المخيم أصبح عرضة للاستهداف بالرصاص الحي، بما في ذلك المسعفون والصحافيون.

كل من يتحرك بالمخيم كان عرضة للاستهداف من قوات الاحتلال بما في ذلك المسعفون

الصحافيون بدائرة الاستهداف

المصور الصحافي عصام الريماوي كان ممن وصلوا إلى المخيم مع بداية الاجتياح، إلا أنه -وباقي الصحافيين- لم يتمكن من العمل بحرية بسبب استهداف كل من يتحرك من قبل القناصة.

وقال الريماوي ” كان الاستهداف بالرصاص الحي فقط، وأي تحرك من قبلنا يعني مجازفة حقيقة بالحياة، في ظل عدم استثناء للصحافيين”.

الريماوي وجزء من الطواقم الصحافية -الذين كانوا على مدخل المخيم بالقرب من المستشفى الحكومي- كانوا يرتدون الزي الصحفي الكامل الذي يميز هويتهم، ولكن من خبرتهم بالميدان كانوا على قناعة بأن القناص الذي يطلق الرصاص لا يفرق بينهم وبين أي شخص آخر.

على الجانب الآخر من المخيم، كانت هناك مجموعة أخرى من الصحافيين الذين استهدفوا بإطلاق الرصاص الحي بشكل مباشر نحوهم، مما أدى لإصابة عدد منهم.
مراسل “جي ميديا” المحلية ليث جعار من الصحافيين الذين أصيبوا، قال للجزيرة نت إنه ومعه مراسل تلفزيون “رؤيا” حافظ أبو صبرا والصحافي المستقل محمود فوزي في مكان مكشوف لجنود الاحتلال، فتم استهدافهم بالرصاص، مما اضطرهم للانسحاب على الفور، مشيرا إلى أن إطلاق النار تواصل.



ويؤكد جعار أن ما جرى استهداف مباشر لهم كصحافيين، فلم يكن حولهم مقاومون، ومن جهة أخرى هويتهم الصحفية كانت واضحة وهم يرتدون الزي الصحافي.

حماية دولية تنزعها إسرائيل

انتهاك القوانين الدولية ليس بالجديد على إسرائيل، وخاصة من خلال استهداف الصحافيين والمسعفين في الميدان، وما حدث في جنين حلقة جديدة من هذه الانتهاكات لهذه القوانين والمواثيق التي تضمن الحماية وحرية العمل لهذه الفئات.

مدير مؤسسة الحق الإنسانية شعوان جبارين يقول إنه بحسب القوانين الدولية يتمتع رجل الإسعاف بحماية خلال العمل بمناطق الحروب والصراعات، ولا يحتاج لتصريح أو تنسيق، على العكس تقع مسؤولية تأمين هذه الحماية على قوة الاحتلال.

ولكن ما يجري في جنين تحديدا -كما يقول جبارين محاولة تقييد عمل هذه الطواقم وأن يكون تقديم المساعدة للمصابين مرهونا بموافقة مسبقة لكل حالة مما يؤخر عمل الإسعاف الإنساني ويعد جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.