“همة” برنامج قطري يناقش تراث وحضارة الأندلس.. تاريخ الصعود والسقوط بين التباكي واستنهاض الهمم

لم يكن الفتح العربي للأندلس عام 711 من الميلاد احتلالا عسكريا أو مجرد توسع جغرافي أو نشرا للدين الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية فحسب، بل كان حدثا حضاريا مهما ومنطلقا لامتزاج حضارة سابقة كالرومانية والقوطية مع حضارة جديدة وهي العربية الإسلامية، لتأسيس حضارة أندلسية مزدهرة أثرت في الحياة الغربية وتركت آثارا عميقة ما زالت تتراءى مظاهرها بوضوح حتى اليوم.

التجربة الأندلسية وما حققته من نهضة وازدهار غمر كل العالم، ثم سقوط بعد نحو 8 قرون من العطاء الثقافي والحضاري والفكري والعلمي، استعرضتها ندوة “تاريخ الأندلس” ضمن فعاليات “موسم الندوات” في نسخته الثانية، الذي تنظمه وزارة الثقافة القطرية العام الجاري 2023.

المشاركون في الندوة تطرقوا إلى تاريخ الأندلس وتفريعاته وعصوره ومراحله المختلفة (الجزيرة)

وتطرقت الندوة إلى تاريخ الأندلس وتفريعاته وعصوره ومراحله المختلفة، بداية من مرحلة الفتوحات ثم مرحلة الازدهار وذروة القوة، وبعد ذلك مرحلة الضعف والسقوط، وتناولت كذلك برنامج “همة” من إنتاج وزارة الثقافة القطرية، الذي يعكس تاريخ الأندلس عبر محتوى إعلامي ثري وهادف.



واعتبر الأستاذ المشارك في الجامعة التونسية في اختصاص علوم وتقنيات الفنون ونظرياتها الدكتور نزار شقرون أن العودة إلى التاريخ الأندلسي تشكل خطوة أساسية لفهم عناصر الهوية العربية الإسلامية، إذ لا يمكن إقصاء أكثر من 8 قرون من الحضارة خارج التفكير في الهوية الحضارية للعرب اليوم، ولا يمكن أن يظل التراث الثقافي الأندلسي بعيدا عن الأجيال العربية التي من حقها أن تطلع على الثروات الرمزية التي تركتها الحضارة الأندلسية في الحضارة العربية أولا وفي الحضارة الإنسانية ثانيا.

الأكاديمي نزار شقرون يرى أن الاستفادة من الحضارة الأندلسية ليست في استعادة النماذج كما هي، بل في التجديد (الجزيرة)

وأوضح شقرون أنه بدل الاتجاه لخطابات استعادة حضارة الأندلس في حقب سابقة ورثاء “فردوس مفقود”، فإننا نحتاج اليوم إلى خطاب جديد بشأن هذه الحضارة الثرية يمكّننا من الوقوف على مكوناتها ودورها في إبداع نموذج للتقدم في فترة كان فيها الغرب غارقا في ظلماته، فضلا عن الاهتمام بالدراسات الأندلسية كونها جزءا من هويتنا الحضارية، ولا يمكن أن تشكل هذه الهوية بتجاهل هذا الرافد الحضاري، خاصة أنه من المؤسف أن يتلقف الغرب حيوية العقل الأندلسي في حين اقتصر العرب على أخذ بعض من العناصر الظاهرة للهوية الأندلسية، من دون أخذ أسباب التقدم التي استولى عليها الغرب الأوروبي وطورها.

وشدد على أن الثقافة الأندلسية تأثرت بالنتاج العلمي والفكري والأدبي للعرب المسلمين في المشرق، فقد أخذت منه كثيرا من مكوناتها، ولكن الأندلسيين شرعوا -بعد استيعاب علوم وآداب وفكر إخوانهم في الشرق- في تدشين تجربة تخصهم على جميع المستويات.



حضارة متنوعة

وقال شقرون -المستشار بوزارة الثقافة القطرية- للجزيرة نت إن أهم مكتسبات الحضارة الأندلسية أنها تعاملت مع الإرث الثقافي العربي السابق عليها تعاملا نقديا، فقد أدرك الأندلسيون أن لكل مرحلة حضارية تحدياتها ولا يمكن قياس الحاضر بالغائب، معتبرا أنه يجب عند العودة إلى دراسة الحضارة الأندلسية الالتزام بتغليب التفكير في الحاضر أكثر من الماضي، وأن ننظر إلى ما يمكن إبداعه من أجل المستقبل الذي يقام دائما على أسس الثقافة.

جانب من الحضور في ندوة تاريخ الأندلس (الجزيرة)


وأضاف أن الثقافة الأندلسية كانت ثقافة تأخذ من أصلها المسلم وتضيف إليه، وبالتالي تسهم في الحضارة الإنسانية، حيث جددت ما تلقفته من الحضارة العربية التي كانت موجودة في المشرق، وتأثرت وأثرت لاحقا في الحضارة الغربية، التي أخذت التجديدات التي انتهى إليها الأندلسيون سواء في الأدب أو الفكر واستفادت منها في عصر نهضتهم.

وأوضح أن الأندلس استفادت من الحضارة العربية إجمالا، ولكنها لم تتوقف عند مجرد الاستفادة، كما أنها لم تكن مقلدة وإنما كانت مجددة، وهذا ما نحتاج إليه اليوم في علاقتنا مع العالم الغربي، وهو أن نكون مجددين وليس مقلدين، حتى في علاقتنا مع أنفسنا وتراثنا وحضارتنا العربية، لا بد من العمل على الإضافة إليه، مشددا على أن الاستفادة من الحضارة الأندلسية ليست في استعادة النماذج كما هي، بل في التجديد.



برنامج “همة”

وتناولت الندوة برنامج “همة” من إنتاج وزارة الثقافة القطرية، ودوره في سرد تاريخ الأندلس عبر محتوى إعلامي ثري وهادف، إذ أكد منتج البرنامج الإعلامي السعودي بدر اللامي أن البرنامج يركز على همة الرجال الذين فتحوا الأندلس، انطلاقا من الهمة التي وضعتها العقيدة الإسلامية في قلوب هؤلاء الفاتحين، والتحديات التي واجهتهم في هذا الفتح.

وقال اللامي للجزيرة نت إن “تاريخ الأندلس عظيم، لكن كثر التباكي عليه والحديث عن هذا الإرث من دون العمل على إنجاز أي شيء، لذلك حاولنا من خلال البرنامج السير على خطى الفاتحين وتحفيز همة الرجال وقدرتهم على مجاراة العالم من خلال ثقافتهم، وعلمهم، وأدبهم وفكرهم”.

الإعلامي بدر اللامي اعتبر أن الهدف من برنامج همة هو تغيير بعض المفاهيم الخاصة بالفتوحات الإسلامية (الجزيرة)

وأضاف أن البرنامج يهدف إلى تغيير بعض المفاهيم الخاصة بالجهاد والفتوحات الإسلامية، وأن هذه الفتوحات ما زالت قائمة ومستمرة في كل الدول العربية والإسلامية، وفي مختلف المجالات سواء كانت اقتصادية، أو علمية، أو رياضية، أو أدبية، أو فنية.

وأوضح أن هناك كثيرا من الفتوحات العربية في الوقت الحاضر، والأمثلة كثيرة، منها حصول العالم المصري أحمد زويل على جائزة نوبل في الكيمياء، وتنظيم دولة قطر كأس العالم لكرة القدم 2022 التي حققت نجاحا غير مسبوق، وغيرها كثير.



الجنة المفقودة

بدورهما، تحدث الإعلاميان القطريان سعود الكواري ومحمد الشهراني عن تجربة إعدادهما برنامج “همة” والمشاركة في تقديمه، مؤكدين أن فتح الأندلس في 3 سنوات فقط وبإمكانيات قليلة وقوة بشرية محدودة كان دليلا على أن ما حدث في الأندلس ليس غزوا بالمعنى السلبي، بل فتحا بالمعنى الإيجابي، فالقيم الإسلامية كانت تحكم العلاقة بين الفاتحين والسكان الأصليين لشبه الجزيرة الإيبيرية منذ البداية.

الإعلامي محمد الشهراني أوضح أن الأندلس كانت مختبرا للدمج الثقافي والحضاري بين شعوب الأرض (الجزيرة)


واعتبر الكواري أن “أهم المعاني التي تبقى في أذهاننا بعد تجربة برنامج (همة) عن فتح الأندلس، هو أن الأندلس ما زالت (جنتنا المفقودة) إلى هذا اليوم، ربما نحزن عندما نرى آثار المدن الأندلسية الخالدة، لكننا نشعر بالفخر ونحن نتجول في مدينة أوروبية تحمل بصمات تجربة إسلامية بديعة نجحت بسبب الحوار الثقافي والحضاري، الذي حولها من أرض للتنازع إلى أرض للفرص والازدهار والتسامح”.

الإعلامي سعود الكواري شدد على أن الحوار الثقافي والحضاري حوّل الأندلس من أرض للتنازع إلى أرض للازدهار والتسامح (الجزيرة)

أما الشهراني فشدد على أنه ما زال علينا التفكير في أسباب سقوط الأندلس بعد 8 قرون من النجاح والتفوق على كل مدن العالم، حيث كانت الأندلس مختبرا للدمج الثقافي والحضاري بين شعوب الأرض، وانتشر فيها حوار ثقافي مثمر بين الثقافات المختلفة، وأصبحت رمزا للتسامح والتفاعل والتعاون، ولذلك شهدت مدن الأندلس طفرة حضارية وعلمية لا مثيل لها، ومنها انطلقت الثقافة الإسلامية في رحلة كبيرة إلى كل أرجاء الأرض، وبلغت ذروة الازدهار مع مدن مثل قرطبة وغرناطة وإشبيلية، وغيرها من المدن الأندلسية التي ما زالت تحتفظ بأسمائها وآثارها إلى اليوم.